الشيخ السبحاني
220
رسائل ومقالات
لأنّ هذه الشكوك لا تظهر في الأذهان حتّى تعالج بهذه الأُصول ، والمخاطب يتلقّى دلالة الظواهر دلالة قطعية دون أن يحتمل إرادة المجاز أو وجود الإضمار والنقل حتّى يعالج تلك الشكوك بتلك الأُصول اللفظية . الثاني : هداية الأنبياء على أساس القطع لا شكّ أنّه سبحانه بعث أنبياؤه لهداية الناس كما أمر أولياؤه وعلماء الأُمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكلّ ذلك يتحقّق بمخاطبة الناس بما لديهم من النصوص والظواهر ، فلو كانت دلالة الظواهر على المقاصد دلالة ظنيّة لعرقلت خُطى الهداية والإرشاد ، وأصبح عندئذٍ تعليم الناس وإرشادهم كأُمنية غير محقّقة . يقول سبحانه : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ » . « 1 » الثالث : صيرورة القرآن معجزة ظنّية لو كانت دلالة الظواهر ظنيّة لزم أن يكون القرآن معجزة ظنّية ، لأنّ الإعجاز أمر قائم باللفظ والمعنى ، فلو كان ما يفهمه من ظواهر آياته مفهوماً ظنّياً يكون إعجازه مبنياً على أساس ظنّي ، والنتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين ، ومن المعلوم أنّ الإعجاز الظنّي لا يكون عماداً للنبوة التي تطلب لنفسها دليلًا قطعياً . وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكشف الظواهر عن المراد الجدّي - فضلًا عن الاستعمالي - كشفاً قطعياً ، لا ظنيّاً ، لما عرفت من أنّ المخاطبين لا يلتفتون إلى هذه الشكوك التي أبدعها إمام المشكّكين ، بخلاف الوجه الرابع الآتي فإنّ الظواهر - على ذاك الوجه - تكشف عن المراد الاستعمالي كشفاً قطعياً ، لا المراد الجدّي .
--> ( 1 ) . إبراهيم : 4 .